الشيخ محمد رشيد رضا
98
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
ولذلك قال تعالى ( وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ ) فحذف فاعل القول لإرادة الاطلاق وان ذلك جار على لسان كل ناطق وقلبه . قال الحسن لقد دخلوا النار وان قلوبهم لممتلئة من حمده ما وجدوا عليه سبيلا . وهذا هو الذي حسن حذف الفاعل من قوله ( قِيلَ ادْخُلُوا أَبْوابَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها ) حتى كأن الكون جميعه قائل ذلك لهم إذ هو حكمه العدل فيهم ومقتضى حكمته وحمده وأما أهل الجنة فقال تعالى ( وَقالَ لَهُمْ خَزَنَتُها سَلامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوها خالِدِينَ ) فهم لم يستحقوها بأعمالهم وانما استحقوها بعفوه ورحمته وفضله فإذا أشهد سبحانه ملائكته وخلقه كلهم حكمه العدل وحكمته الباهرة ووضعه العقوبة حيث تشهد العقول والفطر والخليقة أنه أولى المواضع واحقها بها وان ذلك من كمال حمده الذي هو مقتضى أسمائه وصفاته وان هذه النفوس الخبيثة الظالمة الفاجرة لا يليق بها غير ذلك ولا يحسن بها سواه بحيث تعترف هي من ذواتها بأنها أهل ذلك وانها أولى به - حصلت الحكمة التي لأجلها وجد الشر وموجباته في هذه الدار وتلك الدار . وليس في الحكمة الإلهية أن الشرور تبقى دائما لا نهاية لها ولا انقطاع ابدا فتكون هي والخيرات في ذلك على حد سواء . فهذا نهاية إقدام الفريقين في هذه المسئلة ولعلك لا تظفر به في غير هذا الكتاب فان قيل فإلى اين انتهى قدمكم في هذه المسألة العظيمة الشأن التي هي أكبر من الدنيا باضعاف مضاعفة ؟ قيل إلى قوله تبارك وتعالى ( إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِما يُرِيدُ ) وإلى هنا انتهى قدم أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه فيها حيث ذكر دخول أهل الجنة الجنة وأهل النار النار وما يلقاه هؤلاء وهؤلاء وقال ثم يفعل اللّه بعد ذلك ما يشاء بل وإلى ههنا انتهت اقدام الخلائق . وما ذكرنا في هذه المسئلة بل في الكتاب كله من صواب فمن اللّه سبحانه وهو المان به . وما كان من خطأ فمني ومن الشيطان ، واللّه ورسوله برئ منه وهو عند لسان كل قائل وقلبه وقصده واللّه أعلم » اه هذا ما أورده في المسألة العلامة المحقق ابن القيم وفيه من دقائق المعرفة باللّه تعالى وفهم كتابه والغوص على درر حكمه في أحكامه وأسراره في أقداره والافصاح عن سعة رحمته وخفي لطفه وجليل احسانه ، ما لم يسبقه اليه فيما نعلم سابق ، ولم يلحقه به لاحق ، فنسأله سبحانه أن يكافئه على ذلك أفضل ما يكافيء العلماء العاملين ، والعارفين الكاملين ، وان يحشرنا وإياه في ثلة المبين آمين